لا المنجز ولا المهمل. ولا من اعتلى الخشبة ولا من غادر الركح مرغما. وللمسرح بلاغة وفصاحة ولغة شفافة تكشف أحيانا ما تحاول المؤسسات الرسمية إخفاءه خلف الخطابات الإدارية الخشبية.
في الدورة الحالية من المهرجان الوطني المسرح التونسي "مواسم الإبداع" الذي ينظمه المسرح الوطني للسنة الرابعة على التوالي، غابت إنتاجات مراكز الفنون الدرامية والركحية وبقي مكانها شاغرا وركحها فارغا. مما يطرح أسئلة تنبثق من قلب المسرح: أين إنتاجات هذه المؤسسات التي كانت عنوان العطاء بل والتميز المسرحي في تونس؟ وأين حضورها في تظاهرة وطنية يفترض أن تجمع حصيلة الحركة المسرحية التونسية وتكشف عن نبضها في العاصمة والجهات؟
في مهرجان المسرح التونسي الذي تأسس ليكون مرآة للمشهد المسرحي الوطني ولتنوع تجاربه، يفرض غياب إنتاجات مراكز الفنون الدرامية والركحية سؤالا يتجاوز البرمجة والمشاركة إلى مصير تجربة ثقافية كاملة. تجد هذه المراكز نفسها سواء كانت قديمة عريقة أم حديثة التأسيس، اليوم، في مواجهة شلل يهدّد جوهر وجودها. فهل تخلّت الدولة عن هذه المراكز؟ وهل اختارت إنهاء التجربة بالتقسيط المريح والتجميد المميت، بعيدا عن أي إعلان رسمي أو نقاش عام؟
إنّ هذه المراكز تمثل جزءا من مشروع ثقافي راهنت عليه الدولة منذ سنوات، منذ التسعينيات. كان عنوانه تقريب المسرح من الناس، وكسر احتكار العاصمة للإنتاج والفرص، وتحويل الجهات إلى فضاءات للإبداع لا مجرد محطات تستقبل العروض القادمة من المركز.
اليوم، يبدو هذا المشروع في حاجة إلى من يجيب عن أسئلة حائرة تائهة الاجابات والمصير. فبعض المراكز، ومنها مركزا قبلي وتطاوين يبدوان عمليا خارج دورة الإنتاج والنشاط. فيما تتفاوت أوضاع بقية المؤسسات بين محاولات الاستمرار وصعوبات العمل ومطبات الشلل.
إنّ تجريد مراكز الفنون الدرامية والركحية من مهمة الإنتاج، أشبه بالإبقاء على الجسد بعد انتزاع روحه. فأي معنى لمؤسسات تحمل اسم الفنون الدرامية والركحية حين تُسحب منها القدرة على إنتاج المسرح؟ وأي إصلاح هذا الذي ينتهي بإفراغ المؤسسات من وظيفتها الأصلية والطبيعية؟
لقد كانت مراكز الفنون الدرامية والركحية رئة المسرح خارج العاصمة. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، احتضنت هذه المراكز مشاريع وأحلاما مسرحية، وراكمت تجارب وأسماء وعروضا ظلت حاضرة في ذاكرة المسرح التونسي. من الكاف إلى قفصة وصفاقس ومدنين، اشتغلت هذه المؤسسات بإمكانات محدودة، لكنها صنعت لحظات إبداعية فارقة وقدمت أعمالا خالدة عصية عن النسيان.
يبدو أنّ قرار تعميم مراكز الفنون الدرامية والركحية على مختلف الولايات، بل وحتى بعض المعتمديات مثل قرقنة وجربة، سنة 2018، في عهد وزير الشؤون الثقافية السابق محمد زين العابدين، لم يكن انتصارا للامركزية الثقافية بقدر ما ظلم القديم ولم ينصف الجديد.
فقد تحوّل التوسع العددي - في حالات عديدة - إلى مجرد إعلان عن مؤسسات وُلدت قبل أن تتوفر لها شروط الحياة. أغلب المراكز أُحدثت على الورق، وظلت بلا مقرات مستقلة ولا تجهيزات، ولا موارد بشرية كافية ولا إمكانات فعلية للإنتاج.
هل ما يحدث اليوم مجرد تعثر إداري ومالي قابل للحل، أم أن هناك توجها غير معلن للتخلي عن تجربة مراكز الفنون الدرامية والركحية؟
إذا كانت الوزارة قد فقدت الثقة في هذه التجربة، أو لم تعد ترى جدوى من استمرار بعض مراكزها، فمن حق الرأي العام الثقافي أن يعرف ذلك. وإذا كانت هناك مراجعة شاملة لدورها وهيكلتها، فمن واجب الوزارة أن تعلن عنها وتفتح بشأنها نقاشا مع المسرحيين والعاملين في القطاع. أما ترك المراكز في وضع ملتبس، معلق ما بين الحياة والموت فليس في مصلحة لا الثقافة ولا الوزراة. يحتاج المسرح التونسي إلى مؤسسات تنتج وتغامر وتكتشف وتجدد... ومراكز الفنون الدرامية والركحية لم تولد لتكون ديكورا إداريا في خريطة الثقافة الوطنية، وإنما لتمنح الجهات حقها في الحلم والإبداع.
فإذا كانت الدولة قد قررت التخلي عن هذه التجربة، فلتعلن ذلك بشجاعة. وإذا كانت لا تزال تؤمن بها، فلتمنحها أسباب الحياة.